"مَنْ وَجَدَ حَيَاتَهُ يُضِيعُهَا، وَمَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا." (مت ١٠ : ٣٩)
هذه الآية جملة اعتراضية قالها الرب يسوع في وسط سياق كبير، وهي جملة واضحة وظاهرة.
إذا حاولت أن تحافظ على حياتك وتحميها وتفعل كل ما بوسعك في سبيل ذلك، ففي النهاية سيكون كل ما تفعله هو قش وخشب وعشب، وستضيع حياتك أو تخسرها.
أما إذا كانت حياتك مرتبطة بالرب (أضعتها من أجل الرب)، تاركاً للرب حرية التصرف فيها، فيقودك كيف تعيش وتتصرف وماذا تبني وما الذي عليك أن تهدمه، ففي النهاية سيكون ما تفعله ذهب وفضة وحجارة كريمة، ولن تضيع حياتك بل ستجد قيمتها الحقيقية.
أمثلة:
١ )من العهد القديم:
سليمان:
" وَفِي السَّنَةِ الْحَادِيَةِ عَشَرَةَ فِي شَهْرِ بُولَ، وَهُوَ الشَّهْرُ الثَّامِنُ، أُكْمِلَ الْبَيْتُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ وَأَحْكَامِهِ. فَبَنَاهُ فِي سَبْعِ سِنِينٍ." (١ مل ٦ : ٣٨)
"وَأَمَّا بَيْتُهُ فَبَنَاهُ سُلَيْمَانُ فِي ثَلاَثَ عَشَرَةَ سَنَةً وَأَكْمَلَ كُلَّ بَيْتِهِ." (١ مل ٧ : ١)
بالرغم من العمل العظيم الذي قام به الملك سليمان (بناء هيكل الرب)، وأنه أمضى في بنائه ٧ أعوام، وأنه كان لديه قلب حكيم، ورأى الرب في رؤيا، وشهدت ملكة سبأ عن كل حكمته ومجده وعظمته، وكل الحكم والأمثال التي تغنى بها، إلا أن سليمان أضاع حياته في بناء بيته (١٣ عاماً)، وفي نهاية حياته قال:
"وَمَهْمَا اشْتَهَتْهُ عَيْنَايَ لَمْ أُمْسِكْهُ عَنْهُمَا. لَمْ أَمْنَعْ قَلْبِي مِنْ كُلِّ فَرَحٍ، لأَنَّ قَلْبِي فَرِحَ بِكُلِّ تَعَبِي. وَهذَا كَانَ نَصِيبِي مِنْ كُلِّ تَعَبِي.ثُمَّ الْتَفَتُّ أَنَا إِلَى كُلِّ أَعْمَالِي الَّتِي عَمِلَتْهَا يَدَايَ، وَإِلَى التَّعَبِ الَّذِي تَعِبْتُهُ فِي عَمَلِهِ، فَإِذَا الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ، وَلاَ مَنْفَعَةَ تَحْتَ الشَّمْسِ." (جا٢ :١٠ ، ١١)
فقد فعل سليمان كل ما اشتهته نفسه وكل ما حلم به حققه، ولكنه اكتشف أن كل ما تعب لكي يحققه ظناً منه أن سيدخل الفرح لقلبه بعيداً عن التعب من أجل الرب، ما هو إلا باطل وقبض الريح (تعب غير مجدي وبلا فائدة، لأنه ضيع حياته من أجل نفسه وليس من أجل الرب فخسرها.
ونحن، عندما نقيم ما نفعله، هل نجده باطل وقبض الريح؟
ما هو الدافع وراء كل ما نعمله (دراسة، عمل، زواج، تربية أبناء، خدمة،...)؟ وماذا نبني؟
هل الدافع هو أن نرضي أنفسنا؟ ، أم ما نفعله هو جزء من ترتيب وتنظيم وتوجيه وتوضيح الله لحياتنا، فنفعل الكل من أجل الرب؟
سيكون لدينا صراعات (خوف، قلق من المستقبل، ذهن غير مجدد، تمسك بالعتيق) بين فكر العهد القديم (سليمان) وفكر العهد الجديد، ولكن لنا امتياز أن نأتي بصراعاتنا هذه عند الرب يسوع وهو سيحسمها لنا ويختن ويفصل بين العتيق والجديد فنكون خليقة جديدة بفكر جديد، فنعيش حياتنا بكل ما فيها ولكن ليس بدافع سليمان بل للرب.
"فَيَرْجعُ التُّرَابُ إِلَى الأَرْضِ كَمَا كَانَ، وَتَرْجعُ الرُّوحُ إِلَى اللهِ الَّذِي أَعْطَاهَا." (جا١٢ : ٧)
فهل نبني للجسد الذي سيرجع للتراب؟
أم للروح التي ستأخذ جسداً ممجداً وتقف أمام كرسي المسيح لتنال الأكاليل؟
هل ننحاز للأعمال التي ستكون للتراب؟
أم للأعمال التي ستتبع المؤمنين وتكتبي بأسمائهم ليعطوا عنها أكاليلاً؟
٢ ) من العهد الجديد:
بولس الرسول:
"فَأَجَابَ حَنَانِيَّا:«يَارَبُّ، قَدْ سَمِعْتُ مِنْ كَثِيرِينَ عَنْ هذَا الرَّجُلِ، كَمْ مِنَ الشُّرُورِ فَعَلَ بِقِدِّيسِيكَ فِي أُورُشَلِيمَ." (أع ٩ : ١٣)
بدأ حياته عكس سليمان، فكان يضطهد الكنيسة ويسوق المؤمنين للسجون للرجم وللقتل، ظاناً أنه يبني أمجاداً، ولكنه اكتشف أنه يضيع حياته بحسب فكر الله.
"فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «اذْهَبْ! لأَنَّ هذَا لِي إِنَاءٌ مُخْتَارٌ لِيَحْمِلَ اسْمِي أَمَامَ أُمَمٍ وَمُلُوكٍ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ. لأَنِّي سَأُرِيهِ كَمْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَلَّمَ مِنْ أَجْلِ اسْمِي»." (أع ٩ " ١٥ ، ١٦)
الرب أمر حنانيا أن يذهب ليفتح عيني بولس حتى يرى ويمتلئ بالروح وبتأييد الرب لأنه سيسير طريقاً يضيع حياته فيه من أجل الرب ولكنه في قوة ومجد وسلطان وليس في ضعف وهوان مثل سليمان.
"غَيْرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْمَعُونَ: «أَنَّ الَّذِي كَانَ يَضْطَهِدُنَا قَبْلاً، يُبَشِّرُ الآنَ بِالإِيمَانِ الَّذِي كَانَ قَبْلاً يُتْلِفُهُ». فَكَانُوا يُمَجِّدُونَ اللهَ فِيَّ." (غلا ١ : ٢٣ ، ٢٤)
لماذا كان يضيع بولس حياته؟
ليرجع المجد لمن أحبه وأسلم نفسه من أجله، واختبره بولس.
ماذا كان يعمل بولس في ملكوت الله؟
كان يمارس كل الأعمال:
١ - فلاح:
"أَنَا غَرَسْتُ وَأَبُلُّوسُ سَقَى..." (١ كو٣ : ٦)
٢ – بناء حكيم (مهندس):
"حَسَبَ نِعْمَةِ اللهِ الْمُعْطَاةِ لِي كَبَنَّاءٍ حَكِيمٍ قَدْ وَضَعْتُ أَسَاسًا..." (١ كو٣ : ١٠)
٣ – عامل:
"فَإِنَّنَا نَحْنُ عَامِلاَنِ مَعَ اللهِ..." (١ كو٣ : ٩)
٤ – جندي:
"وَلكِنِّي حَسِبْتُ مِنَ الّلاَزِمِ أَنْ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ أَبَفْرُودِتُسَ أَخِي، وَالْعَامِلَ مَعِي، وَالْمُتَجَنِّدَ مَعِي..." (في ٢ : ٢٥)
كان يستثمر حياته في ملكوت الله، فيفعل كل ما يطلبه منه الرب حتى يرجع المجد لله، ويجد نفسه في ملكوت الله وليس في ملكوته.
من أين له بالإمكانيات لكل ذلك وهو مجرد صانع خيام؟
من الله الذي يعطيه الإمكانيات ليعمل العمل المناسب في الوقت والمكان المناسبين.
أخطر شيء أنأنتمي لملكوت الله ولا أجد نفسي فيه، وعندها سأرجع لأتصيد مثل بطرس، أو أبني بيتي مثل سليمان، أو أحب العالم مثل ديماس، وإذا لم أجد نفسي في ملكوت الله حتماً سأضيعها في ملكوتي، وسأضيع وقتي مثلما أضاع سليمان وقته بالرغم من كل حكمته.
فهدف ما يفعله إبليس هو أن يضيع وقتنا في أشياء بعيداً عن ملكوت الله، فتضيع حياتنا.
٥ – مجاهد:
"فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَعْلَمُوا أَيُّ جِهَادٍ لِي لأَجْلِكُمْ، وَلأَجْلِ الَّذِينَ فِي لاَوُدِكِيَّةَ، وَجَمِيعِ الَّذِينَ لَمْ يَرَوْا وَجْهِي فِي الْجَسَدِ،" (كو ٢ : ١)
كان يجاهد ويتحمل المقاومة من أجل ملكوت الله.
٦ – رجل:
"أَنَّ إِنْجِيلَنَا لَمْ يَصِرْ لَكُمْ بِالْكَلاَمِ فَقَطْ، بَلْ بِالْقُوَّةِ أَيْضًا، وَبِالرُّوحِ الْقُدُسِ، وَبِيَقِينٍ شَدِيدٍ، كَمَا تَعْرِفُونَ أَيَّ رِجَال كُنَّا بَيْنَكُمْ مِنْ أَجْلِكُمْ." (١ تس ١ : ٥)
كان رجلاً في ملكوت الله على قدر المسؤولية.
سليمان:
"«إِنَّ أَبَاكَ قَسَّى نِيرَنَا، وَأَمَّا أَنْتَ فَخَفِّفِ الآنَ مِنْ عُبُودِيَّةِ أَبِيكَ الْقَاسِيَةِ، وَمِنْ نِيرِهِ الثَّقِيلِ الَّذِي جَعَلَهُ عَلَيْنَا، فَنَخْدِمَكَ»." (١ مل ١٢ : ٤)
عندما نعيش لأنفسنا ونطلب ما لأنفسنا، نتعب من حولنا، فنستعبدهم ونقسو عليهم ونستنفذهم من أجل تحقيق مصالحنا مثلما فعل سليمان بالشعب، فعندما مات جاءوا إلى ابنه رحبعام حتى يخفف عنهم العبودية والنير، ولا يكون مثل أبيه يطلب ما لنفسه.
بولس:
"فَإِنَّكُمْ تَذْكُرُونَ أَيُّهَا الإِخْوَةُ تَعَبَنَا وَكَدَّنَا، إِذْ كُنَّا نَكْرِزُ لَكُمْ بِإِنْجِيلِ اللهِ، وَنَحْنُ عَامِلُونَ لَيْلاً وَنَهَارًا كَيْ لاَ نُثَقِّلَ عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ." (١ تس ٢ : ٩)
كان بولس يعمل ليلاً ونهاراً (في الحياة وليس في الخدمة)، حتى على يثقل على من يخدمهم باحتياجاته هو ومن معه.
كان تقييم بولس لحياته التي أضاعها من أجل الرب ومن أجل ملكوته:
"فَإِنِّي أَنَا الآنَ أُسْكَبُ سَكِيبًا، وَوَقْتُ انْحِلاَلِي قَدْ حَضَرَ. قَدْ جَاهَدْتُ الْجِهَادَ الْحَسَنَ، أَكْمَلْتُ السَّعْيَ، حَفِظْتُ الإِيمَانَ، وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ، الَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، الرَّبُّ الدَّيَّانُ الْعَادِلُ، وَلَيْسَ لِي فَقَطْ، بَلْ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ ظُهُورَهُ أَيْضًا." (٢ تي ٤ : ٦ – ٨)
كان يفتخر أنه قد وجد حياته عندما أضاعها من أجل الرب على عكس سليمان الذي اكتشف أن كل ما فعله هو باطل وقبض الريح، وقد وضع له إكليل البر ولجميع الذين سيضيعون حياتهم مثله من أجل الرب فيجدونها.